هناك لحظات… عابرة كلمعة، غريبة، تُربك الإنسان، ليتسلّل إليه الشكّ بأن الخلل ربما لم يكن يوما في العالم، بقدر ما كان في طريقة مروره هو داخله.
كأن الحياة كلها مضبوطة على تردّدٍ مختلف عنه… بنصف درجة فقط. نصف درجة لا تكفي لتُخرجه من المشهد، لكنها كافية لتتركه دائمًا خارج الإيقاع؛ ككمنجة متأخرة عن الأوركسترا بربع زمن، أو كغريب دخل الحفلة من بابها الخطأ، و شرع في التصفيق ناشزا.
لم أشعر يومًا أن كافكا كان يكتب عن التحول، التحول كان مجرد نتيجة جانبية ، او صدى بصري لحقيقة اخرى ، كان يكتب عن الإدراك. عن شرط البقاء داخل العالم. عن تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن قيمته ليست في كونه “ذاته” ، بل في قدرته على الاستمرار في أداء دوره فقط. أن يظل قابلًا للتأويل من الخارج، قابلاً للاستخدام داخل النظام.
وحين يتعطل شيء داخله، حتى لو خفية، تبدأ نظرات العالم بالتغير تدريجيًا، كأنه نقض أحد بنود العقد غير المكتوب بينه وبين الحياة.
على الورق، حياتي تبدو متماسكة. تمضي كأنها تُدار بنفسها تقريبًا. أتحرك داخلها كواجهة تنفيذية لشيء أكبر وأكثر انتظامًا مني. أعمل، أتنقل باستمرار، أصعد سلّمًا لا يترك فراغًا بين درجاته. كل شيء محسوب بدقة، و الأرقام تستجيب للخطة، لكن هذه الدقة نفسها صارت تخلق لي ريبة أكثر مما تخلق يقينًا.
لكن ما لا يُقال عادة هو أن هذا التماسك، حين يبلغ درجةً معينة، يبدأ في فقدان معناه. كأنك تبني نظامًا يعمل وحده، ثم تكتشف أنك وحدك من يُبقيه قائمًا، وأن المطلوب منك الآن هو الاستمرار داخله… بلا تفسير إضافي.
ومع الوقت، يبدأ هذا “الاستمرار” نفسه في التآكل من الداخل؛ كصدعٍ خفيف، كاهتزازٍ دقيق في معنى أن الأمور “تسير جيدًا”. شيئًا فشيئًا، يبدأ الداخل في التململ، لا ليهدم ما يُبنى، بل ليطرح سؤالًا بسيطًا ومزعجًا، كحجرٍ في الحذاء: لمن يُبنى كل هذا أصلًا؟
وأنا… أين أقف داخله؟ كفاعل أم كأثر؟
وليس الأمر أزمة، ولا رغبة رومانسية في الهروب. بالعكس. أنا مندمج في الحياة أكثر من أي وقت مضى، أوسّع رقعة ما أبنيه، وأضع حجر الأساس لما سيأتي. لكن خلف كل ذلك، تظلّ هناك مسافةٌ دقيقة بيني وبين ما يحدث؛ كقائدٍ يراقب سفينته وهي تشقّ الماء، يعرف الاتجاه تمامًا، لكنه لا يزال يتساءل عن طبيعة البحر نفسه. أشعر أحياننا أنني أملأ الأيام بالحركة، والأيام تملأني بالفراغ.
وربما هذه هي مشكلة الإنسان الحديث أصلًا.. فهو لا يعيش مآسي الإغريق. لا آلهة غاضبة، ولا قدر أسطوري، ولا سقوط بطولي على طريقة سوفوكليس. بل شيئًا أكثر ابتذالًا وإرهاقًا.. حياة يومية طويلة جدًا، بلا ذروة واضحة، بلا لحظة فاصلة تشرح المشاهد التي سبقتها.
نيتشه لاحظ شيئًا قريبًا من هذا حين تحدث عن العود الأبدي.. المشكلة ليست في الألم، بل في التكرار. في إعادة إنتاج نفس البنية دون إمكانية الخروج منها. أن تستيقظ كل صباح بالشخص نفسه، بالفراغ نفسه، بالأسئلة نفسها التي ظننت أنك دفنتها البارحة، ثم تخرج إلى العالم بوجه جاهز وكأن شيئًا لم يحدث… هذا ليس حزنًا. إنه شكل من البيروقراطية الوجودية. كأن جهة ما تختم عليك كل صباح: "صالح للاستمرار".
الاستمرار في نفس النظام الذي لا ينهار ولا يتغير أبدًا بشكل جوهري، أي أنك داخل سردية لا تحتاجك فعليًا، لكنها تستخدمك.
وهنا لا ينهار الإنسان فعليًا. هذه صورة أدبية أكثر من اللازم.
هو يتآكل فقط. بهدوء. وبشكل محترم تقريبًا.. ويتعلم أن يعيش في حالة تفاوض مستمرة مع المعنى.
يفقد الأشياء الصغيرة أولًا.. دهشة الصباح، خفة الكلام، القدرة على الرد دون مراجعة داخلية طويلة، تلك البساطة التي تجعل الحياة تبدو وكأنها تحدث تلقائيًا لا كمهمة تحتاج إلى إدارة مستمرة. ثم، شيئًا فشيئًا، يتعلم شكلًا جديدًا من البقاء: أن يكون حاضرًا… دون أن يحضر بالكامل.
هناك صمتٌ لا يُكسر، بل يُطوى. نخبئه في جيوب المعاطف، تحت أكوام الأوراق، بين رسائل لم تُرسل وكلمات ابتلعتها الحلق قبل أن تصل إلى الهواء. يتراكم ببطء، كغبار على رفّ غير مُستخدَم، حتى يصبح ثقله جزءًا من تشريحنا. نتنفسه دون أن نشعر،
حتى الوحدة ليست كما يصورها الأدب أحيانًا. ليست غرفة مظلمة ومطرًا على النافذة وموسيقى بعيدة. الوحدة الحقيقية تحدث وسط الناس؛ حين تضحك معهم وتسمع نفسك تضحك فعلًا، ثم تشعر فجأة أن هناك مسافة غير مرئية بينك وبين اللحظة نفسها. كأن جزءًا منك متأخر دائمًا عن الحياة بثوانٍ قليلة. جزءًا لم يصل بعد.
هايدغر سمّى هذا ب “الوجود المُلقى”.. أن تجد نفسك هنا فجأة، داخل زمن وجسد ووعي لم تختر أيًا منها، ثم يُطلب منك أن تتصرف وكأن الأمر طبيعي.
وربما النضج ليس إلا اعتيادًا تدريجيًا على هذه الصدمة الأولى..
لكن المشكلة أن بعض الناس لا يعتادون بالكامل أبدًا.
يبقى داخلهم شيء يقظ أكثر من اللازم. يراقب كل شيء بوعي مُتعب، كمن يسهر وحده بعد نهاية الحفلة.يرى الأكواب الفارغة، و الكراسي المقلوبة، و بقايا الضحك العالق في الهواء، يرى هشاشة العلاقات، وعبث الطموحات، والطريقة التي يختبئ بها الجميع داخل روتينهم كي لا يسمعوا صدى الفراغ الكبير خلف العالم.
وهنا تبدأ اللعنة: الإنسان الذي يرى أكثر مما يجب، لا يعود قادرًا على العيش بعفوية كاملة.
لهذا تبدو لي الحياة أحيانًا كأنها حانة رخيصة في رواية لبوكوفسكي؛ الجميع يضحك، الموسيقى رديئة، الدخان كثيف، والكؤوس تُرفع بلا سبب حقيقي، بينما أنت جالس في الزاوية تراقب كل شيء، كأنك تعرف النهاية مسبقًا لكنك تبقى حتى آخر الليل لأنك لا تملك مكانًا أفضل تذهب إليه.
وكان محمد شكري يعرف شكلًا آخر من هذا النقص،. فكتب الجوع كأنه قدر: جوع الخبز، والنساء، والشارع، والدفء. أما جوعنا الحديث فأكثر التباسًا.. جوع بعد الشبع، فراغ بعد يوم مليء بالإنجازات. تعود إلى البيت وقد أديت كل شيء بنجاح، ومع ذلك تشعر أن جزءًا من التجربة مرّ دون أن يلامسك تمامًا..
الحياة ليست مأساوية بالقدر الذي نعتقده، ولا جميلة بالقدر الذي نحتاجه. هي جبل رمادي، طويل نتسلقه، لكن شقوقه تفتح أحيانًا عبورًا خافتًا لصور عابرة، تهدّئ الإنسان قليلًا وتخفف اضطرابه الوجودي اثناء الرحلة، دون أن تعده بشيء.
كقطرات المطر على حائط متشقق.
كفتاة تبتسم في الشارع كأن العالم لم يخدعها بعد.
ككأس بعد يوم ثقيل.
كأغنية قديمة تعيدك إلى نسخة أقل تعقيدًا منك.
ككتاب تجد فيه نفسك بالصدفة، كأن ميتًا منذ عقود فهمك أكثر من الأحياء حولك.
وهنا بالضبط تبدأ المفارقة.
لأن الإنسان يستطيع تحمل القبح الكامل، لكنه ينهار أمام الجمال الناقص. أمام الأشياء التي تقترب من إنقاذه ثم تتركه في منتصف الطريق.
كنت أقرأ كافكا، وفي لحظة ما لم يعد “غريغور سامسا” شخصية. صار احتمالًا. نسخة ممكنة مني لو اختلّ شيء بسيط في الداخل، دون أن يلاحظ أحد الفرق.
حتى في “المحاكمة”، لم يشرح أحد "لجوزيف ك." تهمته. بل كانت تُعامل كشيء معروف بطبيعته، كأن الإدانة لم تبدأ من الفعل بل من الوجود نفسه..
وهنا فهمت ما قلته في البداية، كافكا لم يكن يكتب عن التحول و لا عن المحاكمة، بل عن اللحظات الصامتة التي تسبق الانفصال عن الذات. اللحظة التي تؤدي فيها دورك في العالم بإتقان، بينما تبدأ سرًا بسؤال نفسك: إلى أي حد أنا فعلًا… أنا؟
ربما لهذا، في مكان ما من النصوص التي لا تُكتب عادة، لم يكن يسأل: “لماذا أنا؟”
بل كان يبكي لأنه فهم متأخرًا أن الجزء الذي يجعلك أنت… يمكن أن يختفي بالكامل، دون أن يلاحظ أحد ذلك فورًا. كشمعة تنطفئ في غرفة كبيرة.. الضوء يتغير قليلاً فقط.. لكن الظل يبقى.
وأنا…
لا أستطيع الجزم إن كنت قرأت ذلك عنده، أم عشته بطريقة مختلفة وبدرجة أقل وضوحًا.
هل كان كافكا يبكي لأنه فهم؟
أم لأنه تأخر في الفهم؟
وربما لهذا أكتب أنا أيضًا.
ليس لأفهم،
بل لأبقى، بشكل ما، داخل هذا الفهم… دون أن يبتلعني بالكامل.
-M.

