Advertisement

Main Ad

الجمال ليس ترفًا..

تُعدّ Aesthetical Experience حاجة إنسانية أصيلة، وليست مجرد ترف برجوازي أو عنصرًا زائدًا في قمة هرم ماسلو. كما جاء في إنجيل لوقا: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.»  فالإنسان، في جوهره، كائن مطبوع بنزعة جمالية متعالية (Transcendental). ولا أقصد بالجمال هنا Carnal Beauty فحسب، بل الجمال في جميع تجلياته؛ في الفن، والأدب، والعمارة، واللغة، والفكر، والسياسة، والعلوم، والرياضيات...

ويكفي أن تلقي نظرة خاطفة على تاريخ الحضارة الإنسانية حتى تدرك مركزية aesthetical component في التجربة البشرية. فالإنسان يبحث عن الجمال في كل ما يصنعه، ويعيد تشكيل العالم من حوله وفق تصورات جمالية معينة. لذلك لا يكون الجمال مجرد نتيجة جانبية للنشاط الإنساني، بل قوة دافعة ترافق معظم ممارساته وأنشطته، ومحفزًا لا يقل أهمية عن كثير من الدوافع الأخرى.

بل حتى الحياة نفسها، لا يريد الإنسان أن يعيشها في بعدها البيولوجي المحض، ولا يسعى إلى الفعالية وحدها، وإنما يريد أن يعيشها وفق Aesthetical Ideals معينة، سواء كانت فردية أو جماعية. يريد أن يشعر أن وجوده نفسه يحمل شيئًا من elegance، وأن حضوره في هذا العالم لا يشوه harmony الكامنة فيه. ولذلك يكره الإنسان، ربما أكثر من أي شيء آخر، أن يشعر بأن وجوده مجرد بقعة طلاء أفسدت لوحة، أو انزلاق ليد الرسام على القماش. ولعل هذا ما يفسر أن بعض الناس قد يصلون إلى الانتحار لأسباب جمالية خالصة، دون أن يكونوا واعين تمامًا بطبيعة تلك الأسباب.

وقد تعددت المقاربات التي حاولت تفسير هذه النزعة الجمالية عند الإنسان. فمنها المقاربات الثقافية، ومنها الطبيعانية التي ترى الأمر من زاوية التطور البيولوجي. فهناك من يعتبرها نتاجًا مباشرًا للخوارزميات التطورية (Evolutionary Aesthetics)، وأن لها وظيفة functional مرتبطة باللياقة البيولوجية، كما عبّرت عن ذلك Nancy Etcoff بصورة شاعرية حين ربطت بين الوظيفة والجمال:

Humans, like flowers and animals, inhabit a form that is both functional and aesthetic.

وفي المقابل، هناك من يرى أن الجمال ليس سوى واحدة من derived functions التي انبثقت عرضًا عن تلك الخوارزميات، بعدما تطورت لأغراض أخرى تتعلق بالبقاء والتكاثر. وكأن الدماغ، بعد أن أتقن وظائفه الأساسية، بدأ ينتج وظائف لم تكن جزءًا من المهمة الأصلية. وهذا ما يصوره Peter Watts في Blindsight حين يصف كيف تتحول الخوارزميات المسؤولة عن اختيار الموطن، والإيقاع، والتعرف على الأنماط، إلى الفن، والموسيقى، والتأمل، وكيف تبدأ المنظومة في نمذجة عملية النمذجة نفسها، بدل الاكتفاء بنمذجة العالم.

Evolution has no foresight... Metaprocesses bloom like cancer, and awaken, and call themselves I.

وربما يكون التفسير الأقرب إلى الواقع هو أن الأمر يجمع بين الرؤيتين؛ فبعض النزعات الجمالية يبدو مرتبطًا بوظائف تطورية واضحة، بينما يبدو بعضها الآخر أقرب إلى فائض معرفي أنتجته تلك الخوارزميات عندما بلغت درجة معينة من التعقيد.

لكن الجمال لا يقتصر على التجربة الفردية، بل يتجاوزها إلى الاجتماع والسياسة. فالإنسان، كما وصفه أرسطو، animal politique؛ أي كائن يعيش داخل الجماعة، والسياسة ليست إلا تنظيمًا لهذه الحياة الاجتماعية. ومن هنا تصبح النزعة الجمالية عنصرًا مركزيًا في بناء النماذج الاجتماعية نفسها.

فكل نظام اجتماعي يحتاج إلى شرعية يستند إليها، وهذه الشرعية ليست أخلاقية دائمًا، بل كثيرًا ما تكون جمالية. إنها Aesthetic legitimation of sociopolitical order؛ أي بناء شرعية جمالية للنظام، تُنتج ثقافيًا (socially constructed) لتعوض، في كثير من الأحيان، غياب الشرعية الأخلاقية.

ومن خلال بناء Aesthetic Theory خاصة به، يمنح كل نظام نفسه هالة من mythologizing؛ فيحوّل الواقع إلى قصة جميلة، ويمنح مؤسساته ورموزه وسردياته بعدًا جماليًا يجعل استمرارها يبدو طبيعيًا، بل ومرغوبًا.

وهذا ما سماه Walter Benjamin بـ Aestheticization of Politics؛ أي دخول نظرية الجمال إلى معترك السياسة. ولعل أوضح تطبيق لهذا التصور هو تحليله للأنظمة الفاشية في القرن العشرين، حين رأى أنها لم تكن تمنح الجماهير حقوقها، بل تمنحها فرصة للتعبير عن نفسها داخل مشهد جمالي ضخم، بينما تظل البنية الاقتصادية والاجتماعية على حالها.

Fascism attempts to organize the newly proletarianized masses without affecting the property structure which the masses strive to eliminate... The logical result of Fascism is the introduction of aesthetics into political life...

وفي المقابل، قد يحدث العكس أيضًا؛ أي politicization of aesthetics، حين يصبح الفن تابعًا للسياسة، وتتحول الجماليات إلى مجرد أداة أيديولوجية، فيفقد الفن استقلاله، ويخسر أهم ما يملكه: قدرته على النقد والتجاوز.

ولعل هذا ما يفسر كثيرًا من التحولات الثقافية التي نعيشها اليوم، حيث لم يعد الصراع يدور حول الأفكار وحدها، بل حول الصور، والرموز، والسرديات، والذوق، وطريقة تمثيل الواقع نفسه. فالمعركة لم تعد على الحقيقة فقط، وإنما على الجمال أيضًا.

ولهذا تبدو كلمات Guy Debord أكثر راهنية من أي وقت مضى، حين يقول إن الرأسمالية لم تكتفِ بتحويل الإنسان من being إلى having، بل نقلته لاحقًا من having إلى appearing؛ وأصبحت الصورة أهم من الحقيقة، والمشهد أهم من الجوهر.


غير أن المشكلة ليست في غياب الجمال، بل في غياب القدرة على إدراكه.

فكثير من الأشياء لا نفهمها، ولا نستوعب عمقها أو تعقيدها أو جمالها، ليس لأنها تفتقر إلى المعنى، وإنما لأننا لا نمتلك Code Sémantique الذي يسمح لنا بقراءتها. لا نملك ما يكفي من التجربة، أو النضج النفسي والعقلي، أو الصبر، أو التركيز، أو الذوق، أو الثقافة، أو الحس بالتفاصيل الدقيقة وnuances الدلالة والمعنى. وبعبارة أخرى، لا نملك Cognitive Machinery قوية، sophisticated، ومدربة fine tuned بالقدر الكافي.

ولهذا تمتلك كل ثقافة Canon Esthétique خاصًا بها، ويحتاج الإنسان إلى وقت طويل حتى يُدرِّب دماغه على تمييز هذا المعيار الجمالي والاستمتاع به. والأمر لا يختلف عن الخياط الذي يستطيع أن يميز عشرات التدرجات اللونية، بينما لا ترى أنت إلا لونًا أخضر واحدًا. عينك لا تختلف عن عينه من الناحية الحسية؛ فكلاكما يرى الضوء نفسه، لكن الاختلاف يبدأ على المستوى الإدراكي أولًا، إذ يبني دماغه contrast أكثر دقة بين الألوان، ثم على المستوى اللغوي ثانيًا، لأنه يمتلك معجمًا أوسع يسمح له بتسمية تلك الفروق الدقيقة، واللغة هنا لا تصف الإدراك فحسب، بل تعمقه وتعيد تشكيله.

وكما قال Wittgenstein:

The limits of language are the limits of my world.

والأمر نفسه ينطبق على الطاهي في عالم Gastronomy؛ فهو يميز الفروق الدقيقة بين درجات الحموضة، والحلاوة، والمرارة، والملوحة، وumami، بينما قد تبدو لك جميعها متشابهة، أو لا تثير فيك أي إحساس خاص. ليس لأن الطعام واحد، بل لأن جهازك الإدراكي لم يتعلم بعد كيف يقرأ تلك الفروق.

وهذا finesse وrefinement في الذوق والتفكير، ليسا موهبة فطرية نولد بها، وإنما مهارة تُكتسب، ورأسمال ثقافي يتراكم مع الزمن، ونتيجة مباشرة للعمل الطويل على النفس. فالتذوق، في جوهره، ليس مجرد إحساس، بل تدريب.

ولهذا ينطبق الأمر نفسه على الثقافة كلها. فإذا لم تثقف نفسك، ستبقى حبيس سطح الحياة. لن تفهم لماذا يتحدث الرياضي عن elegance في البرهان الرياضي، ولماذا يتحدث الموسيقي عن النشاز كما لو كان خطأً أخلاقيًا، ولماذا يقضي الرسام ساعات أمام لوحة من أجل تعديل درجة لون تكاد لا تُرى، أو لماذا يظل الأديب يبدل كلمة واحدة عشرات المرات حتى تستقيم الجملة في أذنه قبل أن تستقيم في عين القارئ.

وهذا بالضبط ما كان يقصده Oscar Wilde حين كتب في رسالته من السجن:

I have made them in order that my words should be an absolute expression of my thoughts... Language requires to be tuned, like a violin; and just as too many or too few vibrations in the voice of the singer or the trembling of the string will make the note false, so too much or too little in words will spoil the message.

وهو أيضًا ما كان يقصده Nietzsche حين قال:

"الذين شوهدوا وهم يرقصون، بدوا مجانين في نظر الذين لم يستطيعوا سماع الموسيقى."

فالموسيقى كانت موجودة دائمًا، لكن بعضهم لم يمتلك الأذن التي تسمح له بسماعها.

ولهذا أعتقد أن من أجمل التجارب التي يمكن للإنسان أن يعيشها، أن يقرأ كتابًا ثم يتوقف أمام جملة واحدة، لا لأنها معقدة أو غامضة، بل لأنها أصابته بدقة لا يستطيع تفسيرها. يعيد قراءتها مرة، ثم مرتين، ثم عشر مرات، ويبتسم وحده كما لو أنه اكتشف شيئًا لا يراه غيره.

أو أن يقف طويلًا أمام sculptures، أو أمام تناسق معماري، أو أمام مشهد طبيعي مألوف، ثم يكتشف فجأة تفاصيل لم يكن يراها من قبل. أو أن يلاحظ في شخص ما ملامح صغيرة، أو طريقة كلام، أو نظرة، أو حركة يد، لا ينتبه إليها أحد، لكنها بالنسبة إليه تحمل جمالًا كاملًا.

وبصيغة أكثر جوهرية، ينبغي للإنسان أن يتعلم كيف يستخدم إلى أقصى حد تلك derived functions التي أنتجتها الخوارزميات التطورية في دماغه، لا أن يكتفي بوظائفها الأساسية المرتبطة بالبقاء والتكاثر. فالدماغ الذي يستطيع إنتاج الفن، والموسيقى، والشعر، والتأمل، والفلسفة، ليس مضطرًا لأن يظل أسيرًا للحد الأدنى من الوظائف التي ضمنت بقاء أسلافنا.

الحياة، في النهاية، لا تُعاش بالمجمل، وإنما بالتفاصيل. لأن الحياة، عندما ننظر إليها بوصفها مفهومًا مجردًا، ليست سوى abstraction فارغ. نحن لا نحب "الحياة" في ذاتها، بل نحب أشياء بعينها داخلها؛ كتابًا، أو مقطوعة موسيقية، أو حديثًا عابرًا، أو شارعًا قديمًا، أو مدينة، أو شخصًا، أو فكرة، أو لحظة قصيرة لا تتكرر.

ولهذا، لا يكفي أن تعيش، بل ينبغي أن تمتلك Aesthetical Standards تهذب بها نظرتك إلى العالم. فالجمال ليس شيئًا تستهلكه، بل طريقة ترى بها الوجود، ومعيارًا تقيس به نفسك قبل أن تقيس به الأشياء من حولك.

وخلاصة الأمر، كم من شيء بدا لنا في البداية بسيطًا أو سطحيًا، ثم اكتشفنا لاحقًا أن البساطة لم تكن فيه، بل فينا نحن. وأن عقولنا لم تكن قد صُقلت بعد بما يكفي لرؤية ما كان حاضرًا أمامها طوال الوقت.

ولعل أصدق خاتمة لهذا كله، تبقى عبارة Oscar Wilde:

Supreme vice is shallowness.



-M