Advertisement

Main Ad

من الذي اختار كل هذا؟ ..

في بعض الليالي، حين يكون البيت هادئًا إلى درجة يصبح معها صوت الثلاجة حدثًا يستحق الانتباه، أفكر في شيء غريب:

كم من الأشياء التي أفعلها لأنني أريدها، وكم منها لأنني اعتدت أن أكون الرجل الذي يفعلها؟

السؤال يبدو بسيطًا، لكنه ليس كذلك.

فالإنسان لا يصنع شخصيته دفعة واحدة. يبنيها ببطء، مثل بيت قديم: غرفة فوق غرفة، بابًا بعد باب، حتى يأتي يوم يسكن فيه طويلًا وينسى من الذي وضع الحجر الأول.

أبي أراد مني شيئًا.

أمي أرادت شيئًا آخر.

المدرسة أعطتني النسخة الأولى من النجاح.

الأصدقاء عدّلوا بعض التفاصيل.

الحب أضاف بعض المرايا.

والزمن، ذلك البنّاء الذي لا يسأل كثيرًا، أكمل العمل.

ثم استيقظت ذات صباح ووجدت أن لي شخصية كاملة.

اسمًا.

مهنة.

ذوقًا.

آراءً.

خططًا.

أشياء أحبها، وأشياء أكرهها.

حتى طريقة معينة في الضحك.

ولم أتساءل، طوال سنوات، عن السؤال الذي يبدو الآن أكثر إزعاجًا من كل ما كنت أسأله:

من الذي اختار كل هذا؟

 

 

ربما نحن لا نكذب على الآخرين بقدر ما نكذب على أنفسنا.

الكذب على الآخرين يحتاج إلى حيلة.

أما الكذب على النفس، فيحتاج فقط إلى التكرار.

تفعل الشيء نفسه مئة مرة، ثم تسميه طبعًا.

تسمع الرأي نفسه ألف مرة، ثم تسميه قناعة.

تمشي في الطريق الذي رسمه لك الآخرون طويلًا، ثم تنسى أنه كان مرسومًا أصلًا.

وهكذا، دون مؤامرة ودون شرير واضح، يستطيع الإنسان أن يقضي نصف عمره وهو يعيش حياة تبدو شخصية جدًا، بينما لا يعرف أي جزء منها يخصه بالكامل.

وهذا هو الجزء الذي يثير فضولي.

ليس أن الآخرين يؤثرون فينا. هذا أمر طبيعي، وربما لا مفر منه.

بل أن تأثيرهم يمكن أن يصبح خفيًا إلى درجة أننا نبدأ في الدفاع عنه باعتباره استقلالًا.

منذ طفولتنا، كانت هناك إجابات جاهزة تنتظرنا قبل أن نعرف حتى الأسئلة.كيف ينبغي أن ندرس، ماذا يعني أن تنجح، متى يصبح المرء "رجلًا"، ما العمل الذي يستحق الاحترام، من الشخص الذي ينبغي أن نحبه، وما الشكل الذي يفترض أن تأخذه حياة الإنسان حين يبلغ الثلاثين أو الأربعين.

لم يكن أحد يفرض هذه الأشياء علينا بالقوة.

كانت تأتي في أشكال أكثر لطفًا من ذلك.

في نصيحة عابرة من أب خائف على مستقبل ابنه. في مقارنة صغيرة بينك وبين ابن الجيران. في مدرس يمدح نوعًا معينًا من الذكاء. في نظرة إعجاب إلى رجل يملك سيارة جيدة. في امرأة يُقال عنها إنها "اختارت جيدًا". وجملة نسمعها عشرات المرات حتى تفقد غرابتها، ثم تفقد قدرتنا على الشك فيها.

نحن لا نرث من الذين سبقونا أسماءهم وبيوتهم وعاداتهم فقط.

نرث، أحيانًا، الطريقة التي ينبغي أن نريد بها الأشياء.

وهنا يصبح مفهوم هايدغر عن Uneigentlichkeit أكثر قسوة مما يبدو للوهلة الأولى.

فالـ Uneigentlichkeit ليست أن تكون شخصًا مزيفًا، ولا أن تكذب على الآخرين، ولا حتى أن تقلّدهم بوعي.

إنها شيء   more subtle

أن تعيش من خلال ما يسميه هايدغر das Man، ذلك الـ"هم " الذي لا وجه له، لكنه حاضر في كل شيء.

هكذا يفعل الناس.

هكذا ينبغي أن تكون.

هذا هو النجاح.

هذا هو العمر المناسب.

هذا عمل محترم.

هذا الشخص مناسب لك.

هذا ما يفعله الإنسان حين يريد أن تكون لحياته قيمة.

والأكثر رعبًا أن هذا الـ"هم" لا يحتاج، بعد فترة، إلى أن يقف أمامك.

لقد انتقل إلى الداخل.

صار صوته يشبه صوتك إلى درجة يصعب معها التفريق بينهما.

وهنا قد يصل الإنسان إلى مرحلة لا يعود فيها بحاجة إلى الآخرين كي يراقبوه.

لقد أصبح هو السجّان والحارس والسجين في الوقت نفسه.

يفكر "كما ينبغي."

يشعر "كما ينبغي".

يريد ما "ينبغي" أن يريده.

وحتى تمرّده، أحيانًا، يكون من النوع الذي ينبغي أن يراه الآخرون تمرّدًا.

وهذا مضحك قليلًا.

أن تهرب من القطيع بالطريقة التي يتوقعها القطيع من الهارب.

 

ثم، بعد كل هذا الهروب، تجد أنك لم تخرج منه أصلًا.

فجأة تصبح مضطرًا إلى مقابلة شخص لم تكن تعرف أنك كنت تتجنبه طوال هذه السنوات.

نفسك.

لكن حتى هذه الكلمة تبدو أكبر مما ينبغي.

لأنني لست متأكدًا من وجود "نفس" واحدة أصلًا.

ربما نحن مجموعة من الأصوات التي تعلمت أن تعيش في غرفة واحدة.

طفل يريد شيئًا.

رجل يخاف شيئًا آخر.

شخص يريد أن يُحب.

وشخص آخر يريد أن يبدو وكأنه لا يحتاج إلى الحب.

صوت يريد الهرب.

وصوت يخشى أن يفقد الطريق الذي يعرفه.

وصوت ثالث، أكثر صمتًا من الجميع، لا يريد شيئًا محددًا سوى أن يُترك قليلًا دون أن يُطلب منه أن يكون أحدًا.

نحن نسمي هذا كله "أنا" كي لا نتعب من التفريق.

 

وربما لهذا السبب يبدو الموت مأساويًا إلى هذه الدرجة.

ليس فقط لأننا سنفقد العالم، بل لأن عالمًا كاملًا سيختفي دون أن يعرف أحد أنه كان موجودًا أصلًا.

حين تموت، لن يموت جسدك فقط.

ستموت الطريقة التي كنت ترى بها هذا الشارع.

تلك الأغنية التي تعود اليها كل نوفمبر مع أول زخة مطر.

ذلك الوجه المألوف في المراة.

رائحة بيت طفولتك.

ذلك الشعور الغريب الذي كان ينتابك في الثانية صباحًا وأنت تفكر في مستقبلك.

تفصيل صغير جدًا في شخص أحببته، لم يكن مهمًا بما يكفي كي يتذكره أحد سواك.

كل تلك الأشياء كانت موجودة بطريقة ما لأنك رأيتها أنت.

وحين ترحل، لن تنتقل معك إلى أحد.

سيبقى الشارع.

وستبقى الأغنية.

وسيظل الوجه موجودًا في صورة.

لكن العالم الذي كان يتكوّن حولها داخل وعيك لن يعرف أحد أنه كان هناك.

سيبقى العالم، بالطبع.

ستشرق الشمس في اليوم التالي.

ستفتح المقاهي أبوابها.

سيتأخر شخص ما عن عمله.

سيتشاجر اثنان على شيء تافه.

سيقع شخص في الحب.

وسيولد طفل في مكان ما دون أن يعرف أنك كنت موجودًا.

وهذه ليست مصيبة بالضرورة.

ربما هي الحقيقة التي تمنح الحياة شيئًا من خفتها.

لأنك، في النهاية، لست مهمًا إلى الدرجة التي تتخيلها.

وهذا، paradoxically، شيء جميل.

لست بطلا في رواية ، العالم لم يكن ينتظر وصولك كي يبدأ.

ولن يتوقف لأنك غادرته.

قبل أن تولد، كان كل شيء يسير بطريقة عادية جدًا دون أن يكون هناك أي نقص فيك.

وبعد أن تموت، سيستمر كل شيء تقريبًا بالطريقة نفسها.

قد تعاصر جيلين أو ثلاثة، وقد تشعر أحيانًا أنك كنت هنا منذ الأزل، لكن الزمن لا يرى الإنسان بهذه الطريقة.

بالنسبة إليه، نحن شيء صغير جدًا.

أقرب إلى glitch في برنامج من مليار سطر.

ولهذا ربما لا يستحق الأمر كل ذلك الجهد الذي نبذله كي نبدو مهمين بدل العيش حقا..

فالـCV الذي قضيت سنوات في بنائه لن يذهب معك.

ولا عدد الأشخاص الذين أعجبوا بك.

ولا المكانة التي حاولت أن تجعلها جزءًا من اسمك.

ولا الصورة التي أمضيت وقتًا طويلًا في حمايتها.

كل ذلك سينتهي عند حدود بسيطة جدًا:

جسد يتوقف.

وعالم يستمر.

ويبقى، للحظة لا يستطيع أحد قياسها، ذلك الشيء الغريب الذي كان يعرف أنه موجود.

أنت.

لا صورتك.

لا اسمك.

لا ما قاله الآخرون عنك.

فقط وعي صغير، ظهر هنا ذات مرة....ونظر إلى العالم ..من خلف عينيه هو.



Perhaps that is all a life ever gets to be.

A brief, private consciousness,

passing through an indifferent universe,

trying, for a little while,

to make something beautiful

of the fact that it was here.

You are nobody.

And perhaps, after all these years,

that is not the tragedy.

Perhaps it is the first real freedom.

 

-M