في مقالة جديدة نحاول العودة إلى كتاب الأخلاق لسبينوزا، لا كعمل فلسفي عابر، بل كنظام مغلق يكاد يشبه الكون الذي يحاول تفسيره. هناك دائماً شيء من البرودة الجميلة في نصوص سبينوزا، كأن الفلسفة عنده لا تُكتب بل تُستنتج، مثل معادلة طويلة لا تسمح بالاختصار.
كتاب الأخلاق نُشر بعد سنة واحدة من وفاته، رغم أنه استغرق قرابة عشرين سنة من الكتابة. ليس مجرد كتاب، بل بناء هندسي صارم، يقطع مع الأسلوب الفلسفي التقليدي، ويستبدله بنموذج رياضي: تعريفات، مسلمات، قضايا، براهين، ثم نتائج تتراكم بهدوء لا يترك مجالاً للصدفة
العنوان نفسه يكشف هذا الطموح: Ethica ordine geometrico demonstrata الأخلاق مبرهنة بالطريقة الهندسية.
سبينوزا كان يؤمن أن الحقيقة لا تحتاج إلى خارج يبررها. هي تبرر نفسها بنفسها، مثل بديهية هندسية. ومن هنا نفهم هذا الإصرار على الشكل الرياضي، كأنه يحاول أن يجعل الفلسفة شفافة لدرجة أنها تتحول إلى ضرورة منطقية. وفي هذا المعنى، يمكن القول إنه امتداد للعقلانية الديكارتية، بل ربما ديكارتي أكثر من ديكارت نفسه، لكن في اتجاه أكثر جذرية وبرودة.
الكتاب ليس سهلاً، ليس لأنه معقد فقط، بل لأنه مترابط إلى حد لا يسمح بالقفز. كل جزء يعتمد على ما قبله، وكأنك داخل شبكة لا تُقرأ إلا من داخلها. لذلك يبدو أقرب إلى نص أكاديمي موجّه للمتخصصين منه إلى كتاب “أخلاق” بالمعنى الشائع. لم أجده يوماً بسيطاً، وهذا جزء من طبيعته.
ينقسم الكتاب إلى خمسة أجزاء:
الله والطبيعة، طبيعة النفس، الانفعالات، قوة الانفعالات، ثم الحرية الإنسانية. والمفارقة الأساسية أن “الأخلاق” لا تُناقش فعلياً إلا في النهاية، وكأنها نتيجة لا نقطة انطلاق. الأخلاق هنا ليست موعظة، بل نتيجة معرفية تتولد من فهم البنية الكلية للوجود.
في الجزء الأول، الله والطبيعة، يبدأ النسق كله. هنا تتحدد الأرضية التي سيُبنى عليها كل شيء لاحقاً.
إله سبينوزا ليس إلهاً شخصياً ولا متعالياً. ليس كائناً خارج العالم، بل هو العالم نفسه. هو النظام الكلي للطبيعة، القوة التي تنتظم بها الأشياء، أو ببساطة: الطبيعة في كليتها. يستعمل سبينوزا أحياناً لفظ “الجوهر”، وأحياناً “الله”، وكأنه يبدّل اللغة فقط دون أن يغيّر المعنى.
الفكرة الأساسية هي وجود جوهر واحد فقط، وكل ما نراه ليس إلا تجليات أو أنماط لهذا الجوهر الواحد. من هنا تأتي صفاته: الأبدية، اللانهاية، الضرورة… وهي صفات لا تنتمي إلى إله ديني بقدر ما تنتمي إلى نظام كوني صارم. بل يضيف سبينوزا صفة حاسمة: الامتداد، أي أن المادة نفسها ليست خارج الإله بل جزء من بنيته. وهنا تبدأ القطيعة العميقة مع التصورات الدينية والفلسفية التقليدية.
يتعمق هذا الانفصال أكثر حين يُسقط سبينوزا فكرة الإرادة الإلهية بمعناها الأخلاقي: لا خير، لا شر، لا معجزات، لا اختيار. فقط ضرورة. وكأن الكون لا “يختار” أن يكون، بل “يكون” كما تكون النتيجة داخل معادلة.
ومن هنا نفهم ثنائية الطبيعة عنده:
الطبيعة الطابعة (natura naturans)، أي القوة المنتجة للنظام،
والطبيعة المطبوعة (natura naturata)، أي العالم الناتج عن هذه القوة.
وجهان لعملة واحدة، أو بالأحرى: تعبيران عن نفس الحقيقة من زاويتين مختلفتين.
ما ندركه نحن من هذا الجوهر ليس إلا صفتين أساسيتين: الفكر والامتداد. وكل ما نعرفه من العالم يتحرك بين هذين القطبين فقط.
في هذا السياق، لا يكون الله “خالقاً” للعالم، لأن فكرة الخلق نفسها تصبح غير ضرورية. العالم ليس شيئاً تم صنعه، بل نتيجة حتمية لطبيعة الجوهر، مثلما تنتج النتيجة عن مقدمتها في منطق صارم. كأنك تقول: 2+2 ليست قراراً، بل ضرورة.
وإذا كان من المفيد استحضار ابن عربي هنا، فليس للمقارنة السطحية، بل لفهم المسافة. عند ابن عربي، وحدة الوجود تحمل طابعاً روحياً وتجلياً ميتافيزيقياً، حيث يبقى البعد الإلهي حاضراً كسرّ. أما عند سبينوزا، فالسر يتحول إلى نظام. الإله لا يُشاهد كحضور، بل يُستنتج كبنية.
ومع ذلك، هناك تقاطع خفي: كلاهما يسير نحو فكرة الوحدة، لكن أحدهما يذيبها في التجلي، والآخر يثبتها في القانون. وبينهما مسافة تشبه المسافة بين الشعر والهندسة.
اليوم، حين ننظر إلى محاولات العلم لفهم الكون، من وحدة المادة إلى التطور المشترك، يبدو أن هذا الحلم القديم بالوحدة لم ينتهِ. فقط غيّر لغته.
يتبع…
